الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

351

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الناس التي قبل انخرام هذا العالم ، فيجوز أن يكون المراد هنا من كلا اللفظين كلا معنييه فيفيد أن الحياة الآخرة خير له من هذه الحياة العاجلة تبشيرا له بالخيرات الأبدية ، ويفيد أن حالاته تجري على الانتقال من حالة إلى أحسن منها ، فيكون تأنيث الوصفين جاريا على حالتي التغليب وحالتي التوصيف ، ويكون التأنيث في هذا المعنى الثاني لمراعاة معنى الحالة . ويومئ ذلك إلى أن عودة نزول الوحي عليه هذه المرة خير من العودة التي سبقت ، أي تكفل اللّه بأن لا ينقطع عنه نزول الوحي من بعد . فاللام في « الآخرة » و الْأُولى لام الجنس ، أي كلّ آجل أمره هو خير من عاجله في هذه الدنيا وفي الأخرى . واللام في قوله : لَكَ لام الاختصاص ، أي خير مختص بك وهو شامل لكل ما له تعلق بنفس النبي صلى اللّه عليه وسلم في ذاته وفي دينه وفي أمته ، فهذا وعد من اللّه بأن ينشر دين الإسلام وأن يمكّن أمته من الخيرات التي يأملها النبي صلى اللّه عليه وسلم لهم . وقد روى الطبراني والبيهقي في « دلائل النبوءة » عن ابن عباس قال : « قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : عرض عليّ ما هو مفتوح لأمتي بعدي فسرني فأنزل اللّه تعالى : وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى [ 5 ] [ سورة الضحى ( 93 ) : آية 5 ] وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى ( 5 ) هو كذلك عطف على جملة القسم كلها وحرف الاستقبال لإفادة أن هذا العطاء الموعود به مستمر لا ينقطع كما تقدم في قوله تعالى : قالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي في سورة يوسف [ 98 ] وقوله : وَلَسَوْفَ يَرْضى في سورة الليل [ 21 ] . وحذف المفعول الثاني ل يُعْطِيكَ ليعمّ كل ما يرجوه صلى اللّه عليه وسلم من خير لنفسه ولأمته فكان مفاد هذه الجملة تعميم العطاء كما أفادت الجملة قبلها تعميم الأزمنة . وجيء بفاء التعقيب في فَتَرْضى لإفادة كون العطاء عاجل النفع بحيث يحصل به رضى المعطى عند العطاء فلا يترقب أن يحصل نفعه بعد تربص . وتعريف رَبُّكَ بالإضافة دون اسم اللّه العلم لما يؤذن به لفظ ( رب ) من الرأفة واللطف ، وللتوسل إلى إضافته إلى ضمير المخاطب لما في ذلك من الإشعار بعنايته برسوله وتشريفه بإضافة رب إلى ضميره .